صديق الحسيني القنوجي البخاري

94

فتح البيان في مقاصد القرآن

فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها بالمعاصي بمقتضى القوة الشهوانية ، والفساد ضد الصلاح وَيَسْفِكُ الدِّماءَ بغير حق بمقتضى القوة الغضبية كما فعل الجن ، وسفك الدم صبه ، قاله ابن فارس والجوهري والمهدوي ولا يستعمل السفك إلا في الدم . وَنَحْنُ نُسَبِّحُ أي نقول سبحان اللّه وبحمده وهي صلاة الخلق وعليها يرزقون ، عن أبي ذر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سئل أي الكلام أفضل قال : « ما اصطفى اللّه لملائكته أو لعباده سبحان اللّه وبحمده » « 1 » أخرجه مسلم ، وقال ابن عباس كل ما جاء في القرآن من التسبيح فالمراد منه الصلاة فيكون المعنى ونحن نصلي لك ، وأصل التسبيح في كلام العرب التنزيه والتبعيد من السوء على وجه التعظيم ، فيكون المعنى ونحن ننزهك عن كل سوء ونقيصة بِحَمْدِكَ أي حامدين لك أو متلبسين بحمدك فإنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق لم نتمكن من ذلك وَنُقَدِّسُ لَكَ وأصل التقديس التطهير أي ونطهرك عن النقائص وعن كل ما لا يليق بك من سوء ومما نسبه إليك الملحدون ، وافتراه الجاحدون ، وذكر في الكشاف أن معنى التسبيح والتقديس واحد وهو تبعيد اللّه من السوء ، وفي القاموس وغيره من كتب اللغة ما يرشد إلى ما ذكرناه ، والتأسيس خير من التأكيد خصوصا في كلام اللّه سبحانه ، وقيل معناه نطهر أنفسنا لطاعتك وعبادتك والأول أولى . وعن ابن مسعود وناس من الصحابة نقدس لك أي نصلي لك ، وقال مجاهد : نعظمك ونكبرك واللام زائدة ، والجملة حال أي فنحن أحق بالاستخلاف . ولما كان سؤالهم واقعا على صفة تستلزم إثبات شيء من العلم لأنفسهم أجاب اللّه سبحانه عليهم فقال : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ وفي هذا الإجمال ما يغني عن التفصيل ، لأن من علم ما لا يعلم المخاطب له كان حقيقيا بأن يسلم له ما يصدر عنه ، وعلى من لا يعرف أن يعترف لمن يعلم بأن أفعاله صادرة على ما يوجبه العلم وتقتضيه المصلحة الراجحة والحكمة البالغة ، ولم يذكر متعلق قوله تَعْلَمُونَ ليفيد التعميم ، ويذهب السامع عند ذلك كل مذهب ويعترف بالعجز ويقر بالقصور . عن ابن عباس قال : إن اللّه أخرج آدم من الجنة قبل أن يخلقه قال وقد كان فيها أي في الأرض قبل أن يخلق بألفي عام : الجن بنو الجان فأفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء ، فلما أفسدوا في الأرض بعث اللّه عليهم جنودا من الملائكة فضربوهم حتى ألحقوهم بجزائر البحور ، فلما قال : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ كما فعل أولئك الجان فقال : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ أخرجه الحاكم وصححه عنه .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الدعوات حديث 84 ، وأحمد في المسند 5 / 148 .